The Tradition of Halilia in Arabic

Here is the Arabic of the amazing hadith of Halila.

 

Reference

The Arabic reference for this narration is found in Bihar Al Anwar, Volume 3. Depending on the print edition of the book it can be found between pages 142-190. The chain of narrators is as follows :

حدثني محمد بن محرزة بن سعيد النحوي بدمشق قال حدثني محمد بن ابي‏مسهر بالرملة عن ابيه عن جده قال کتب المفضل بن عمر الجعفي الي ابي‏عبدالله

 

The book can be found here. In that copy the relevant text starts at the third volume and noted as page 152.

 

The Text

 

* (باب 5) * الخبر المروى عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالاهليلجة حدثني محرز بن سعيد النحوي بدمشق قال: حدثني محمد بن أبي مسهر (1) بالرملة، عن أبيه، عن جده قال: كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يعلمه أن أقواما ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية، ويجادلون على ذلك، ويسأله أن يرد عليهم قولهم، ويحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما احتج به على غيرهم. فكتب أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته، وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا، وذلك من قوم من أهل الالحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم، وتسأل أن أصنع للرد عليهم والنقض لما في أيديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف، ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة فكان من نعمه العظام وآلائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته، وأخذه ميثاقهم بمعرفته، وإنزاله عليهم كتابا فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الامور، ولم يدع لهم ولا لشئ من خلقه حاجة إلى من سواه، واستغنى عنهم، وكان الله غنيا حميدا. ولعمري ما اتي الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البينات في خلقهم، وما يعاينون من ملكوت السماوات والارض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع، ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهلوا لها سبيل الشهوات، فغلبت الاهواء على قلوبهم، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين. والعجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله، وتأليف يبطل حجته (2)


(1) وفى نسخة: محمد بن أبى مشتهر. (2) وفى نسخة: وتاليف يبطل جحوده.

[ 153 ]

ولعمري لو تفكروا في هذه الامور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين، ولطف التدبير الظاهر، ووجود الاشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة، وصنيعة بعد صنيعة، ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شئ منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم. وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الاديان من أهل الانكار، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند، وكان لا يزال ينازعني في رأيه، ويجادلني على ضلالته، فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواءا احتجت (1) إليه من أدويته، إذ عرض له شئ من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واخرى تسقط، نفس تولد واخرى تتلف، وزعم أن انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة لي عليها، ولا حجة لي فيها، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الاول، والاصغر عن الاكبر، وأن الاشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس: نظر العين، وسمع الاذن، وشم الانف، وذوق الفم، ولمس الجوارح، ثم قاد (2) منطقه على الاصل الذي وضعه فقال: لم يقع شئ من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي، إنكار الله تعالى. ثم قال: أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وربوبيته، و إنما يعرف القلب الاشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك ؟ قلت: بالعقل الذي في قلبي، والدليل الذي أحتج به في معرفته. قال: فأنى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس الخمس ؟ فهل عاينت ربك ببصر، أو سمعت صوته بأذن، أو شممتة بنسيم، أو ذقته بفم، أو مسسة بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك ؟ قلت: أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته (3)


(1) وفى نسخة: احتاج. (2) قاد الدابة: مشى أمامها آخذا بقيادها. (3) وفى نسخة: إذا أنكرت الله وجحدته.

[ 154 ]

– لانك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الاشياء – وأقررت أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقا والآخر كاذبا ؟ قال: لا. قلت: أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف علي شئ مما اخوفك به من عقاب الله ؟ قال: لا. قلت: أفرأيت إن كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت احاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة ؟ قال: بلى. قلت: فأينا أولى بالحزم وأقرب من النجاة ؟ قال: أنت، إلا أنك من أمرك على ادعاء وشبهة، وأنا على يقين وثقة، لاني لا أرى حواسي الخمس أدركته، وما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود. قلت: إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لما عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدقت به. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: لان كل شئ جرى فيه أثر تركيب لجسم، أو وقع عليه بصر للون فما أدركته الابصار ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه لانه لا يسبه الخلق، وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال، وكل شئ أشبه التغيير والزوال فهو مثله، وليس المخلوق كالخالق ولا المحدث كالمحدث. شرح: قوله عليه السلام: والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة أي النعمة التي يحمدها ويقر بها الخاص والعام لنا وهو العلم، أو النعم التي شملت الخاص والعام كما سيفصله عليه السلام بعد ذلك. قوله عليه السلام: ما اتي الجهال أي ما أتاهم الضرر والهلاك إلا من قبلهم. قال الفيروز آبادي: أتى كعنى أشرف عليه العدو. وقال الجزري: في حديث أبي هريرة: في العدوي إني قلت أتيت. أي دهيت وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا. قوله عليه السلام: استحوذ الشيطان أي غلب واستولى. قوله عليه السلام: و صنيعة أي احسان، ويحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة. قوله عليه السلام: لجسم بفتح اللام أي ألبتة هو جسم. وكذا قوله: للون. ويدل على أن التركيب الخارجي إنما يكون في الجسم وأن المبصر بالذات هو اللون. قوله عليه السلام: أشبه التغيير أي المتغير، أو ذا التغيير بتقدير مضاف.


[ 155 ]

متن: قال: إن هذا لقول، ولكني لمنكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبى، فلما اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة قلت: أما إذ أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة، وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت، حيث قلت: إني اخترت الدعوى لنفسي لان كل شئ لم تدركه حواسي عندي بلا شئ. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: لانك نقمت على الادعاء ودخلت فيه فادعيت أمرا لم تحط به خبرا ولم تقله علما فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله، ودفعك أعلام النبوة والحجة الواضحة وعبتها علي ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلها وبلغت منتهاها ؟ قال: لا. قلت: فهل رقيت إلى السماء التي ترى ؟ أو انحدرت إلى الارض السفلى فجلت في أقطارها ؟ (1) أو هل خضت في غمرات البحور (2) واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء وتحتها إلى الارض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم بصير ؟ قال: لا. قلت: فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك. قال: لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا، وما أدري لعله ليس في شئ من ذلك شئ ! قلت: أما إذ خرجت من حد الانكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة. قال: فإنما دخل علي الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي، ولكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي ؟ قلت: من قبل إهليلجتك هذه. قال: ذاك إذا أثبت للحجة، لانها من آداب الطب الذي اذعن بمعرفته (3) قلت: إنما أردت آن آتيك به من قبلها لانها أقرب الاشياء إليك، ولو كان شئ أقرب إليك منها لاتيتك من قبله، (4) لان في كل شئ أثر تركيب وحكمة، وشاهدا يدل على


(1) وفى نسخة: فدرت في أقطارها. (2) وفى نسخة: هل غصت في غمرات البحور. (3) وفى نسخة: لانها من أداة الطب الذى أدعى معرفته. (4) وفى نسخة: لانبأتك من قبله.

[ 156 ]

الصنعة الدالة على من صنعها ولم تكن شيئا، ويهلكها حتى لا تكون شيئا. قلت: فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة ؟ قال: نعم. قلت: أفترى غيب ما في جوفها ؟ قال: لا قلت: أفتشهد أنها مشتملة على نواة ولا تراها ؟ قال: ما يدريني لعل ليس فيها شئ. قلت: أفترى أن خلف هذا القشر من هذه الاهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون ؟ قال: ما أدري لعل ما ثم غير ذي لون ولا لحم. قلت: أفتقر أن هذه الاهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة ؟ لاجتماع أهل الاختلاف من الامم على ذكرها. قال: ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل ! قلت: أفتقر أن الاهليلجة في أرض تنبت ؟ قال: تلك الارض وهذه واحدة وقد رأيتها. قلت: أفما تشهد بحضور هذه الاهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها ؟ قال: ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها. فلما اعتصم بالجهالة قلت: أخبرني عن هذه الاهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرة، أو تقول: إنها هكذا وجدت ؟ قال: لا بل من شجرة خرجت. قلت: فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة ؟ قال: لا. قلت: فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك. قال: أجل ولكني أقول: إن الاهليلجة والاشياء المختلفة (1) شئ لم تزل تدرك، فهل عندك في هذا شئ ترد به قولي ؟ قلت: نعم أخبرني عن هذه الاهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الاهليلجة فيها ؟ قال: نعم. قلت: فهل كنت تعاين هذه الاهليلجة ؟ قال: لا. قلت: أفما تعلم أنك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الاهليلجه، ثم عدت إليها فوجدت فيها الاهليلجة أفما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن ؟ قال ما أستطيع أن أنكر ذلك ولكني أقول: إنها كانت فيها متفرقة. قلت: فأخبرني هل رأيت تلك الاهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الاهليلجة قبل أن تغرس ؟ قال: نعم. قلت: فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكل ثمرة جنيت، (2) وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الاهليلجة ؟ قال: ما


(1) وفى نسخة: والاشياء المؤتلفة. (2) جنى الثمر: تناوله من شجرته.

[ 157 ]

يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب. قلت: أقررت أنها حدثت في الشجرة ؟ قال: نعم و لكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك ؟ قلت: نعم أرأيت أني إن أريتك تدبيرا أتقر أن له مدبرا، وتصويرا أن له مصورا ؟. قال: لابد من ذلك. قلت: ألست تعلم أن هذه الاهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل (1) بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض ؟ قال: بلى. قلت: ألست تعلم أن هذه الاهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط، وتأليف و تركيب وتفصيل متداخل بتأليف شئ في بعض شئ، به طبق بعد طبق وجسم على جسم ولون مع لون، أبيض في صفرة، ولين على شديد، (2) في طبائع متفرقة، وطرائق مختلفة، وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها، وعروق يجري فيها الماء، وورق يسترها وتقيها من الشمس أن تحرقها، ومن البرد أن يهلكها، والريح أن تذبلها ؟ (3) قال: أفليس لو كان الورق مطبقا عليها كان خيرا لها ؟ قلت: الله أحسن تقديرا لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروحها، ولا برد يشددها، ولعفنت عند ذلك، ولو لم يصل إليها حر الشمس لما نضجت، ولكن شمس مرة وريح مرة وبرد مرة قدر الله ذلك بقوة لطيفة ودبره بحكمة بالغة. قال: حسبي من التصوير فسر لي التدبير الذى زعمت أنك ترينه. قلت: أرأيت الاهليلجة قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة ؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته ويصوره بحكمته ويقدره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل ؟ فإن زاد زاد ماءا متراكبا غير مصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق. قال: قد أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها وتفصيل تركيبها أوضح


(1) وفى نسخة: موضوع على جرم متصل. (2) في نسخة: ولين مع لين ولين على شدة. (3) ذبل النبات: قل ماؤه وذهبت نضارته.

[ 158 ]

الدلالات، وأظهر البينة على معرفة الصانع، ولقد صدقت بان الاشياء مصنوعة، و لكني لا أدري لعل الاهليلجة والاشياء صنعت أنفسها ؟ قلت: أو لست تعلم أن خالق الاشياء والاهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره ؟ قال: بلى. قلت: فهل ينبغي للذي هو كذلك أن يكون حدثا ؟ قال: لا. قلت: أفلست قد رأيت الاهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد أن لم تكن شيئا ثم هلكت كأن لم تكن شيئا ؟ قال: بلى، وإنما أعطيتك أن الاهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه. قلت: ألم تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثا، وزعمت أن الاهليلجة حدثت ؟ فقد أعطيتني أن الاهليلجة مصنوعة، فهو عزوجل صانع الاهليلجة، وإن رجعت إلى أن تقول: إن الاهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت، ووصفت صانعا مدبرا أصبت صفته، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه قال: كيف ذلك ؟ قلت: لانك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبر، فلما سألتك من هو ؟ قلت: الاهليلجة. قد أقررت بالله سبحانه، ولكنك سميته بغير اسمه، ولو عقلت وفكرت لعلمت أن الاهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها، وأضعف حيلة من أن تدبر خلقها. قال: هل عندك غير هذا ؟ قلت: نعم، أخبرني عن هذه الاهليلجه التي زعمت أنها صنعت نفسها ودبرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة، صغيرة القدرة، ناقصة القوة، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل ؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء ؟ قال: لانها لم تقو إلا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع إلا ما هويت. قلت: أما إذ أبيت إلا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و دبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت ؟ فإن زعمت أن الاهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال ! كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها مرة اخرى ؟ فيصير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين، ولان قلت: إنها خلقت نفسها ودبرت خلقها قبل أن تكون إن هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب ! لانها قبل أن تكون ليس بشئ فكيف يخلق لا شئ شيئا ؟ وكيف تعيب قولي: إن شيئا يصنع لا شيئا، ولا تعيب قولك: إن لا شئ يصنع لا شيئا ؟ فانظر أي القولين أولى بالحق ؟ قال:


[ 159 ]

قولك. قلت: فما يمنعك منه ؟ قال: قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بأن الاشياء المختلفة والاهليلجة لم يصنعن أنفسهن، ولم يدبرن خلقهن، ولكنه تعرض لي أن الشجرة هي التي صنعت الاهليلجة لانها خرجت منها. قلت: فمن صنع الشجرة: قال: الاهليلجة الاخرى ! قلت: اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإما أن تقول: هو الله سبحانه فيقبل منك، وإما أن تقول: الاهليلجة فنسألك. قال: سل. قلت: أخبرني عن الاهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعدما ماتت وبليت وبادت ؟ قال: لا. قلت: إن الشجرة بقيت بعد هلاك الاهليلجة مائة سنة، فمن كان يحميها ويزيد فيها، ويدبر خلقها ويربيها، وينبت ورقها ؟ مالك بد من أن تقول: هو الذي خلقها، ولان قلت: الاهليلجة وهي حية قبل أن تهلك وتبلى وتصير ترابا، وقد ربت الشجرة وهي ميتة أن هذا القول مختلف. قال: لا أقول: ذلك. قلت أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شئ من ذلك ؟ قال: إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر. قلت: أما إذ أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الاشياء لا يدرك إلا بالحواس فإني اخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الاشياء، ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الاشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها. شرح: قوله عليه السلام: وامتثلت قال الفيروز آبادي: امتثل طريقته: تبعها فلم يعدها. قوله: نقمت علي أي عبت وكرهت. قوله: من لحم قال الفيروز آبادي: لحم كل شئ لبه. قوله تلك الارض أي أشار إلى الارض، وقال اقر بوجود هذه الارض التي أرى، والاهليلجة الواحدة التي في يدي. قوله: كانت فيها متفرقة لعله اختار مذهب إنكسار غورس ومن تبعه من الدهرية القائلين بالكمون والبروز، وأن كل شئ كامن، ويؤمي إليه جوابه. قوله عليه السلام: في قمعها قال الفيروز آبادي: القمع محركة: بثرة تخرج في اصول الاشفار، وقال القمع بالفتح والكسر وكعنب: ما التزق بأسفل التمرة والبسرة ونحوهما انتهى. وعلى التقديرين استعير لما يبدو من الاهليلجة ابتداءا في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء، والاول أبلغ. قوله عليه السلام: غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضم. إليه جسم آخر من خارج، أو قمع آخر مثله، أو بغير قمعه


[ 160 ]

أي قلعه وتفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شئ أو يضم إلى شئ. قوله عليه السلام: فإن زاد أي فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماءا متراكبا بعضه فوق بعض فقط كما كان أولا لا بتخطيط وتصوير وتدبير وتأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل تلك الافاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الارادة. قوله عليه السلام: فهل ينبغي إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أن من كان على هذا المبلغ من العلم والحكمة والتدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم وسائر الامور إلى غيره، إلا أن يفيض عليه من العالم بالذات، وهو إقرار بالصانع. قوله: ولم أعطك. غفل الهندي عما كان يلزم من اعترافيه. قوله عليه السلام: وإن رجعت أي إن قلت: إن الصانع القديم الحكيم هو طبيعة الاهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سميته الطبيعة، إذ هي غير حكيم ولا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع وأخطأت في التسمية، أو المراد أنك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت: إنه هذه الاهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الاول، وقلت بالنقيضين، ولا محمل لتصحيحه إلا أن تقول: سميت ما أقررت به بهذا الاسم، وهذا لا يضرنا بعدما تيسر لنا من إقرارك، ويحتمل أن يكون هذا كلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزلنا عما أقررت به من قدم الحكيم وحدوث الاهليلجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيما، إذ معلوم أنها ليست كذلك، فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم. قوله عليه السلام: مفضولة إذ ظاهر أن كثيرا من المخلوقات أفضل وأشرف منها. قوله عليه السلام: هو الذي خلقها أي لابد أن يكون مربيها هو خالقها، فإن قلت: إن الخالق والمربي واحد وهي الاهليلجة خلقت عند كونها حية، وربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجي، وعند خلق أي مقدار من الشجرة لابد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الاهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار، والخلق والتربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حية عند أحدهما ميتة عند الآخر، ويحتمل أن يكون المراد أن القول بأن الخالق والمربى واحد و القول بأن الاهليلجة بعد موتها ربت متنافيان، لان موتها عبارة عن استحالتها بشئ آخر، فالمربي شئ آخر سوى إلا هليلجة. وفي بعض النسخ: وقد رأيت الشجرة. قوله:


[ 161 ]

ما أتخلص أي ما أصل إلى أمر يجري فيه أمرى أي حكمي، ويمكني أن أحكم بصحته. ثم لما علم عليه السلام أن سبب توقفه اقتصاره على حكم الحواس بين عليه السلام أن الحواس داخلة تحت حكم العقل، ولابد من الرجوع إلى العقل في معرفة الاشياء. متن: فقال: أما إذ نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحص منه بأيضاح وبيان وحجة وبرهان. قلت: فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس، أو بعضها ودبر القلب الاشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الامور العلانية والخفية فأمر بها ونهى فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه. قال: إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة، ولكني احب أن توضحه لي غير هذا الايضاح. قلت: ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس ؟ قال: نعم ولكن يبقى بغير دليل على الاشياء التي تدل عليها الحواس. قلت: أفلست تعلم أن الطفل تضعه امه مضغة ليس تدله الحواس على شئ يسمع ولا يبصر ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم ؟ قال: بلى. قلت: فأية الحواس دلته علي طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روى من اللبن ؟ وأي حواس سباع الطير ولاقط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتهوى سباعها إلى اللحم، والآخرون إلى الحب ؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت، وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت والحواس واحدة، فكيف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم تنتفع طير البر في الماء بحواسها ؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت ؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرة عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا وللبر خلقا. أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح، وتلقى الانسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم يتعلم السباحة فيغرق ؟ كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالاشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس ؟ أفليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت وغيره مما سمعت من الحيوان


[ 162 ]

هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع، والطير اللاقط على لقط الحب، والسباع على ابتلاع اللحم ؟. قال: لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس ! قلت: أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها، ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الاشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه و تعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم اخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع اخرى فتنأى، (1) لا تتغير لطول الامد ولا تخلق (2) لاختلاف الليالي والايام، ولا تتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك، وتنقلها في البروج يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، منها السريع، ومنها البطيئ، ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها، وأخذها عرضا وطولا، وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذووا الالباب أنها ليست من حكمة الانس، ولا تفتيش الاوهام، ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوى إلى الارض وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الارض فدلت القلب على ما عا ينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الارض الممتدة (1) أن تزول أو تهوى في الهواء – وهو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على


(1) أي فتبعد. وفى نسخة: فتنأى فلا ترى. (2) أي لا تبلى ولا ترث. (3) وفى نسخة: أن ممسك الارض الممهدة.

[ 163 ]

ما هي عليه – هو الذى يمسك السماء التي فوقها، وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والانام والاشجار والبحور والرمال، فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الارض هو مدبر السماء. ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة والمينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان، وتسفى (1) من ثقال الرمال، تخلى منها ناحية وتصبها في اخرى، بلا سائق تبصره العين، ولا تسمعه الاذن، ولا يدرك بشئ من الحواس، وليست مجسدة تلمس ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها وأنها لو كانت هي المتحركة لم تكفف عن التحرك، ولم تهدم طائفة وتعفي اخرى، (2) ولم تقلع شجرة وتدع اخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضا وتنصرف عن اخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء، ويسكنها إذا شاء، ويصيب بها من يشاء، و يصرفها عمن يشاء، فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء، وما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الارض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء، وممسكها كيف شاء، ومسلطها على من يشاء. وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الارض في غلظها وثقلها، وطولها وعرضها، وما عليها من ثقل الجبال والمياه والانام وغير ذلك، وإنما تتحرك في ناحية ولم تتحرك في ناحية اخرى (3) وهي ملتحمة جسدا واحدا، وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل، تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم اخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما امسك منها، وهو محرك الريح وممسكها، وهو مدبر السماء والارض وما بينهما، وأن الارض لو كانت هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء. ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب


(1) سفت وأسفت الريح التراب: ذرته أو حملته. (2) عفت الريح المنزل: درسته ومحته. ويمكن أن يكون من أعفى إعفاءا أي تركه. (3) وفى نسخة: وإنها تحرك ناحية وتمسك عن اخرى.

[ 164 ]

المسخر بين السماء والارض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الارض و الجبال، يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا، ولا يهصر منها غصنا، ولا يعلق منها بشئ يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة، والرعد والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الاوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه (1) ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح (2) من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها، يسفل مرة ويعلو اخرى، متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه (3) صارت منه البحور، يمر على الاراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة، (4) حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلا بعد سيل، متتابع على رسله حتى ينقع البرك (5) وتمتلي الفجاج، و تعتلي الاودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الآذان لدويها و هديرها (6) فتحي بها الارض الميتة، فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة، قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس الانعام، فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى، فادت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر، ولارسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة، بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد و


(1) وفى نسخة: ينفجر بعد تمسكه. (2) وفى نسخة: تصفقه الرياح. (3) ازجاه أي دفعه برفق. (4) وفى نسخة: لا تقطر منه قطرة. (5) بكسر الباء وفتح الراء جمع بركة: مستنقع الماء، الحوض. (6) وفى نسخة: ومصمة الاذان لدويها وهديرها.

[ 165 ]

ترك آخر دونه، فعرف القلب بالاعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الامور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الازمنة والابد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض في الامور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شئ وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله فعرف القلب بذلك أن مدبر الاشياء ما غاب منها وما ظهر هو الله الاول، خالق السماء وممسكها، وفارش الارض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص. وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضيائه، والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد، مع سكون من يسكن في الليل، وانتشار من ينتشر في الليل، وانتشار من ينتشر في النهار، وسكون من يسكن في النهار، ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى يكون الحر بردا، والبرد حرا في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن من دبر هذه الاشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والارضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحد منهم على صاحبه. وكذلك سمعت الاذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها، وتوفيق الله إياها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الانبياء إلى القلب. شرح: قوله عليه السلام: ربما ذهب الحواس إما بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإن العقل لا محالة يدله على أن يشير إلى بعض ما يصلحه، ويطلب ما يقيمه بأي وجه كان، على أن ذهاب الحواس الخمس لا ينافي بقاء النطق. قوله عليه السلام: إلا النزوع إلى الحواس أي الاشتياق إليها، والحاصل أنا نوافقك ونستدل لك بما تدل عليه الحواس، وإن كنت رفضتها وتركيتها وسلمت فيما مضى كونها معزولة عن بعض الاشياء فنقول: إن حكم


[ 166 ]

العقل بوجود الصانع إنما هو من جهة ما دلته الحواس عليه مما نشاهده من آثار صنعه تعالى. قوله عليه السلام: فتنكشط الانكشاط: الانكشاف. وقوله تعالى: وإذا السماء كشطت (1) أي قلعت كما يقلع السقف، ولعل المراد بالتأخر تأخر ما يحاذي رؤوسنا بحيث يرى ما وراءه، وبالتقدم أن يتحرك جميعها حركة أينية حتى يخرج من بينها، ويحتمل أن يكون المراد فيهما معا إما الاول أو الثاني، ويكون التعبير عن أحدهما بالانكشاط وعن الآخر بالزوال لمحض تفنن العبارة، وعلى التقادير المراد بالزوال الزوال عنا وعن محاذاتنا. قوله عليه السلام: ولا يتداعى قال الجوهري: تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت. وقال: انهار أي انهدم قوله عليه السلام: ثم رجوعها إشارة إلى ما يعرض للمتحيرة من الرجعة والاستقامة والاقامة. وقوله عليه السلام: وأخذها عرضا وطولا إشارة إلى كونها تارة عن جنوب المعدل، وتارة عن شمالها، وكون بعضها تارة عن جنوب منطقة البروج وتارة عن شمالها، وإلى حركة المائل في السفليين وعرض الوراب والانحراف و الاستواء فيهما، (2) وإلى ميل الذروة والحضيض في المتحيرة. وخنوسها: غيبتها و استتارها تحت شعاع الشمس. قوله عليه السلام: المنطبقة أي المحيطة بجميع الخلق، وفي بعض النسخ المظلة. واستقلها أي حملها ورفعها. قوله عليه السلام: متصلة بالسماء أي داخلة في ذلك النظام شبيهة بها فيه. قوله عليه السلام: يلمس بشئ لعل المراد الاصطكاك الذي يحصل منه صوت، وفي بعض النسخ كشئ، ويحتمل أن يكون تصحيف يشبه بشئ. وقال الفيروز آبادي: الهصر: الجذب. والامالة. والكسر. والدفع. والادناء. وعطف شئ رطب كغصن ونحوه وكسره من غير بينونة. وقال: الجليد: ما يسقط على الارض من الندى فيجمد. انتهى. وقوله عليه السلام: أزجاه أي دفعه. والرسل بالكسر: التأني والرفق. وينقع بالياء على المعلوم أو بالتاء على المجهول. والبرك كعنب جمع بركة وهي معروفة. والفجاج بالضم: الطريق الواسع بين جبلين، وبالكسر جمع الفج بمعناه. والاعتلاء: الارتفاع. وقوله عليه السلام: غاصة أي ممتلئة. والمصمخة لعلها مشتقة من الصماخ أي


(1) التكوير: 11. (2) في نسخة: وعرض الوراب والانحراف والالتواء فيهما.

[ 167 ]

تؤدى الصماخ، والاظهر مصممة. قوله عليه السلام: من نبات بالاضافة على أن يكون مصدرا، أو بالتنوين ليكون عشب بدل بعض له. والاقلاع عن الامر: الكف عنه. و الكر: الرجوع. قوله عليه السلام: مع سكون من يسكن في الليل أي جعل في معظم المعمورة طول كل منهما وقصره على حد محدود لا يتجاوزه لئلا تفوت مصلحة كل منهما من السكون في الليل والانتشار في النهار، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الحكمة في حصول الليل والنهار. قوله عليه السلام: وانتشار من ينتشر في الليل كالخفاش والبعوضة وسائر ما ينتشر في الليل من الهوام، وكالخائف والمسافر الذي تصلحه حركة الليل. قوله: إذا لذهب أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التجاذب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا إذ يستحيل كونهما واجبين كاملين وهذا شأن الناقص، ويحتمل أن يكون الغرض نفي الآلهة الناقصة الممكنة التي جعلوها شريكا للواجب تعالى شأنه، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد. وفي بعض النسخ هكذا: ” ولعلا بعضهم على بعض، ولافسد كل واحد منهم على صاحبه، وكذلك سمعت الاذن ما أنزل الله من كتبه على ألسن أنبيائه تصديقا لما أدركته العقول بتوفيق الله إياها وعونه لها إذا أرادت ما عنده أنه الاول لا شبيه له، ولا مثل له، ولا ضد له، ولا تحيط به العيون، ولا تدركه الاوهام كيف هو لانه لا كيف له وإنما الكيف للمكيف المخلوق المحدود المحدث غير أنا نوقن أنه معروف بخلقه موجود بصنعه فتبارك الله وتعالى اسمه لا شريك له فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا، ولو كان ناقصا ما خلق الانسان ولاختلفت التدابير وانتقضت الامور، مع النقص الذي يوصف به الارباب المتفردون والشركاء المتعانتون. قال: قد أتيتني “. متن: فقال: قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الايضاح والحجة القويه بما وصفت لي وفسرت. قلت: أما إذا حجبت عن الجواب (1) واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل


(1) في نسخة: أما إذ حجبت عن الجواب

[ 168 ]

وتشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك ؟ قال: نعم. قلت: فهل رأيت أنك تضحك وتبكي وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها ؟ قال: نعم مالا احصي. قلت: هل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت ؟ قال: أكثر من الكثير. قلت: فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الاشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى وكلامهم، وأكل طعامهم، والجولان في البلدان، والضحك والبكاء وغير ذلك ؟ قال: ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر ؟ قلت: فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفا ؟ قال: إنه كما تقول وربما رأيت الشئ في منامي ثم لا أمسي حتى أراه في يقظتي كما رأيته في منامي. قلت: فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت ؟ قال: إن هذا الامر ما دخلت فيه الحواس. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الاشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد ؟ قال: إن الذي رأيت في منامي ليس بشئ إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك فيه أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة !. قلت: كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض، وما رأيت من الفرح والحزن ؟ قال: لان السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شئ، وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت ! قلت: فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الامر على ما وصفت لك ؟ قال: بلى. قلت: فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك (1) عرفتها أم لم تعرفها ؟ قال: بلى مالا احصيه. قلت: ألست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في اليقظة، هذا كسر لحجتك في السراب. قال: ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت


(1) قضى منه نهمته أي شهوته.

[ 169 ]

حواسه دلت عليه في اليقظة. قلت: ما زدت على أن قويت مقالتي، وزعمت أن القلب يعقل الاشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها فكيف أنكرت أن القلب يعرف الاشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه، وما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر ؟ ولكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالاشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس ومالكها ورائسها (1) والقاضي عليها، فإنه ما جهل الانسان من شئ فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها، ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شئ من الحواس أن يفعل بشئ من الجسد شيئا بغير إذن القلب ودلالته و تدبيره لان الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبرا للجسد، به يسمع وبه يبصر وهو القاضي والامير عليه، لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت، وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الالم، إن فسد شئ من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعا حتى لا يسمع ولا يبصر. قال: لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة وقد جئت بشئ لا أقدر على رده قلت: وأنا اعطيك تصاديق ما أنبأتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة. قال: افعل فإني قد تحيرت في هذه المسألة. قلت: أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شئ وتأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك ؟ نعم. قلت: فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك ؟ قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق ؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني ويزيل الشبه من قلبي. شرح: خفق القلب: اضطرابه. والنهمة: بلوغ الهمة في الشئ، والنهم بالتحريك إفراط الشهوة في الطعام. أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في مصطلح الاخبار على النفس الناطقة، ولما كان السائل منكرا لادراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه عليه السلام على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي آلات النفس.


(1) الرائس: الوالى، في مقابلة الرؤوس للمستولي عليه.

[ 170 ]

أقول: ذكر السيد ابن طاووس قدس الله روحه في كتاب النجوم من هذه الرسالة جملة ليست فيما عندنا من النسخ فلنذكرها: ” قلت: أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النجوم ؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم ! قلت: وما بلغ من علمهم بها ؟ فقال: إنا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عما سواهما. قلت: فأخبرني ولا تخبرني إلا بحق. قال بديني لا اخبرك إلا بحق وبما عاينت. قلت: هات. قال: أما إحدى الخصلتين فإن ملوك الهند لا يتخذون إلا الخصيان. قلت: و لم ذاك ؟ قال: لان لكل رجل منهم منجما حاسبا فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشمس وحسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك، وما حدث في ليلته التي كان فيها، فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئا يكرهه أخبره، فقال: فلان قارف كذا وكذا مع فلانة، ويحدث في هذا اليوم كذا وكذا. قلت: فأخبرني عن الخصلة الاخرى. قال: قوم بالهند بمنزلة الخناقين عندكم يقتلون الناس بلا سلاح ولا خنق ويأخذون أموالهم. قلت: وكيف يكون هذا ؟ قال. يخرجون مع الرفقة والتجار بقدر ما فيها من الرجالة فيمشون معهم أياما ليس معهم سلاح، ويحدثون الرجال ويحسبون حساب كل رجل من التجار فإذا عرف أجمعهم موضع النفس من صاحبه وكزكل واحد منهم صاحبه الذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التجار موتى ! قلت: إن هذا أرفع من الباب الاول إن كان ما تقول حقا ! قال: أحلف لك بديني إنه حق ولربما رأيت ببلاد الهند قد اخذ بعضهم وامر بقتله. قلت: فأخبرني كيف كان هذا حتى اطلعوا عليه ؟ قال: بحساب النجوم. قلت: فما سمعت كهذا علما قط، وما أشك أن واضعه الحكيم العليم، فأخبرني من وضع هذا العلم الدقيق الذي لا يدرك بالحواس ولا بالعقول ولا بالفكر ؟ قال: حساب النجوم وضعته الحكماء وتوارثه الناس “. (1)


(1) إلى هنا انتهى ما يختص به كتاب النجوم، ويشترك سائر النسخ من قوله: فإذا سألت الرجل منهم….

[ 171 ]

متن: قلت: أخبرني هل يعلم أهل بلادك علم النجوم ؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم فليس أحد أعلم بذلك منهم. قلت: أخبرني كيف وقع علمهم بالنجوم وهي مما لا يدرك بالحواس ولا بالفكر ؟ قال: حساب وضعته الحكماء وتوارثته الناس فإذا سألت الرجل منهم عن شئ قاس الشمس ونظر في منازل الشمس والقمر وما للطالع من النحوس، وما للباطن من السعود، ثم يحسب ولا يخطئ، ويحمل إليه المولود فيحسب له ويخبر بكل علامة فيه بغير معاينة وما هو مصيبه إلى يوم يموت. قلت: كيف دخل الحساب في مواليد الناس ؟ قال: لان جميع الناس إنما يولدون بهذه النجوم، ولولا ذلك لم يستقم هذا الحساب فمن ثم لا يخطئ إذا علم الساعة واليوم والشهر والسنة التي يولد فيها المولود. قلت: لقد توصفت علما عجيبا (1) ليس في علم الدنيا أدق منه ولا أعظم إن كان حقا كما ذكرت، يعرف به المولود الصبي وما فيه من العلامات ومنتهى أجله وما يصيبه في حياته، أو ليس هذا حسابا تولد به جميع أهل الدنيا من كان من الناس ؟ قال: لا أشك فيه. قلت: فتعال ننظر بعقولنا كيف علم الناس هذا العلم وهل يستقيم أن يكون لبعض الناس إذا كان جميع الناس يولدون بهذه النجوم، وكيف عرفها بسعودها ونحوسها، وساعاتها وأوقاتها، ودقائقها ودرجهاتها، وبطيئها وسريعها، ومواضعها من السماء، ومواضعها تحت الارض، ودلالتها على غامض هذه الاشياء التي وصفت في السماء وما تحت الارض، فقد عرفت أن بعض هذه البروج في السماء، وبعضها تحت الارض، و كذلك النجوم السبعة منها تحت الارض ومنها في السماء فما يقبل عقلي أن مخلوقا من أهل الارض قدر على هذا. قال: وما أنكرت من هذا ؟ قلت: إنك زعمت أن جميع أهل الارض إنما يتوالدون بهذه النجوم، فأرى الحكيم الذي وضع هذا الحساب بزعمك من بعض أهل الدنيا، ولا شك إن كنت صادقا أنه ولد ببعض هذه النجوم والساعات و الحساب الذي كان قبله، إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم لم يولد بهذه النجوم كما ولد سائر الناس. قال: وهل هذا الحكيم إلا كسائر الناس ؟ قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنها قد خلقت قبل هذا الحكيم الذي زعمت انه وضع هذا الحساب، وقد زعمت أنه ولد ببعض هذه النجوم ؟ قال: بلى.


(1) وفي نسخة: لقد وصفت علما عجيبا.

[ 172 ]

قلت: فكيف اهتدى لوضع هذه النجوم ؟ وهل هذا العلم إلا من معلم كان قبلهما وهو الذي أسس هذا الحساب الذي زعمت أنه أساس المولود، والاساس أقدم من المولود، والحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا إنما يتبع أمر معلم هو أقدم منه، وهو الذي خلقه مولودا ببعض هذا النجوم، وهو الذي أسس هذه البروج التي ولد بها غيره من الناس فواضع الاساس ينبغي أن يكون أقدم منها، هب إن هذا الحكيم عمر مذ كانت الدنيا عشرة أضعاف، هل كان نظره في هذه النجوم إلا كنظرك إليها معلقة في السماء أو تراه كان قادرا على الدنو منها وهي في السماء حتى يعرف منازلها و مجاريها، نحوسها وسعودها، ودقائقها، وبأيتها تكسف الشمس والقمر، وبأيتها يولد كل مولود، وأيها السعد وأيها النحس، وأيها البطيئ وأيها السريع، ثم يعرف بعد ذلك سعود ساعات النهار ونحوسها، وأيها السعد وأيها النحس، وكم ساعة يمكث كل نجم منها تحت الارض، وفي أي ساعة تغيب، وأي ساعة تطلع، وكم ساعة يمكث طالعا، وفي أي ساعة تغيب، وكم استقام لرجل حكيم كما زعمت من أهل الدنيا أن يعلم علم السماء مما لا يدرك بالحواس، ولا يقع عليه الفكر، ولا يخطر على الاوهام وكيف اهتدى أن يقيس الشمس حتى يعرف في أي برج، وفي أي برج القمر، وفي أي برج من السماء هذه السبعة السعود والنحوس وما الطالع منها وما الباطن ؟ وهي معلقة في السماء وهو من أهل الارض لا يراها إذا توارت بضوء الشمس إلا أن تزعم أن هذا الحكيم الذي وضع هذا العلم قد رقى إلى السماء، وأنا أشهد أن هذا العالم لم يقدر على هذا العلم إلا بمن في السماء، لان هذا ليس من علم أهل الارض. قال: ما بلغني أن أحدا من أهل الارض رقى إلى السماء. قلت: فلعل هذا الحكيم فعل ذلك ولم يبلغك ؟ قال: ولو بلغني ما كنت مصدقا. قلت: فأنا أقول قولك، هبه رقى إلى السماء هل كان له بد من أن يجري مع كل برج من هذه البروج، ونجم من هذه النجوم من حيث يطلع إلى حيث يغيب، ثم يعود إلى الآخر حتى يفعل مثل ذلك حتى يأتي على آخرها ؟ فإن منها ما يقطع السماء في ثلاثين سنة، ومنها ما يقطع دون ذلك، وهل كان له بد من أن يجول في أقطار السماء حتى يعرف مطالع السعود منها والنحوس،


[ 173 ]

والبطيئ والسريع، حتى يحصي ذلك ؟ أو هبه قدر على ذلك حتى فرغ مما في السماء هل كان يستقيم له حساب ما في السماء حتى يحكم حساب ما في الارض وما تحتها و أن يعرف ذلك مثل ما قد عاين في السماء ؟ لان مجاريها تحت الارض على غير مجاريها في السماء، فلم يكن يقدر على أحكام حسابها ودقائقها وساعاتها إلا بمعرفة ما غاب عنه تحت الارض منها، لانه ينبغي أن يعرف أي ساعة من الليل يطلع طالعها، وكم يمكث تحت الارض، وأية ساعة من النهار يغيب غائبها لانه لا يعاينها، ولا ما طلع منها ولا ما غاب، ولابد من أن يكون العالم بها واحدا وإلا لم ينتفع بالحساب إلا تزعم أن ذلك الحكيم قد دخل في ظلمات الارضين والبحار فسار مع النجوم والشمس والقمر في مجاريها على قدر ما سار في السماء حتى علم الغيب منها، وعلم ما تحت الارض على قدر ما عاين منها في السماء. قال: وهل أريتني أجبتك إلى أن أحدا من أهل الارض رقى إلى السماء وقدر على ذلك حتى أقول: إنه دخل في ظلمات الارضين والبحور ؟ قلت: فكيف وقع هذا العلم الذي زعمت أن الحكماء من الناس وضعوه وأن الناس كلهم مولدون به وكيف عرفوا ذلك الحساب وهو أقدم منهم ؟. أقول: في نسخة السيد ابن طاووس هنها زيادة: ” قال: أرأيت إن قلت لك: إن البروج لم تزل وهي التي خلقت أنفسها على هذا الحساب ما الذي ترد علي ؟ (1) قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعدا وبعضها نحسا، وبعضها مضيئا وبعضها مظلما، وبعضها صغيرا وبعضها كبيرا ؟. قال: كذلك أرادت أن تكون بمنزلة الناس، فإن بعضهم جميل، وبعضهم قبيح، وبعضهم قصير، وبعضهم طويل، وبعضهم أبيض، وبعضهم أسود، وبعضهم صالح، وبعضهم طالح. قلت: فالعجب منك إني اراودك منذ اليوم على أن تقر بصانع فلم تجبني إلى ذلك حتى كان الآن أقررت بأن القردة والخنازير خلقن أنفسهن !. قال: لقد بهتني بما لم يسمع الناس مني ! قلت: أفمنكر أنت لذلك ؟ قال:


(1) في نسخة: ما الذى يرد على.

[ 174 ]

أشد إنكار. قلت: فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقن أنفسهن ؟ فلابد من أن تقول: إنهن من خلق الناس، أو خلقن أنفسهن، أفتقول: إنها من خلق الناس ؟ قال: لا. قلت: فلابد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها، فإن قلت: إنها من خلق الناس أقررت أن لها خالقا، فإن قلت: لابد أن يكون لها خالق فقد صدقت وما أعرفنا به، ولئن قلت: إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع. ثم قلت: فأخبرني بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم واحد ؟ فإن قلت: بعضهن قبل بعض فأخبرني السماوات وما فيهن والنجوم قبل الارض والانس والذر خلقن أم بعد ذلك ؟ فإن قلت: إن الارض قبل أفلا ترى قولك: إن الاشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الارض ؟. قال: بلى ولكن أقول: معا جميعا خلقن. قلت: أفلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئا قبل أن خلقن، وقد أذهبت حجتك في الازلية ؟ قال: إني لعلى حد وقوف، ما أدري ما اجيبك فيه لاني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعا لصناعته، والصناعة غير الصانع، والصانع غير الصناعة لانه يقال للرجل: الباني لصناعته البناء، والبناء غير الباني والباني غير البناء، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث. قلت: فأخبرني عن قولك: إن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم ؟ قال: بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئا منهم غيرهم. قلت: فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت ؟ قال: أو تشك أنه لا شئ أحب إليهم من الحياة، ولا أبغض إليهم من الموت ؟ قلت فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها ؟ فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة، وأنه هو الذي يذهب بالحياة. فإن قلت: إن الذي خلق الموت غيرهم، فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة، ولئن قلت: هم الذين خلقوا الموت لانفسهم إن هذا لمحال من القول ! وكيف خلقوا لانفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم ؟ هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأن الحياة أحب إليهم من الموت وخلقوا ما يكرهون لانفسهم !.


[ 175 ]

قال: ما أجد واحدا من القولين ينقاد لي ولقد قطعته علي قبل الغاية التي كنت اريدها. قلت: دعني فإن من الدخول في أبواب الجهالات مالا ينقاد من الكلام، و إنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الارض علم هذه النجوم المعلقة في السماء. ” اقول: رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة: قال: ما أجد يستقيم أن أقول: إن أحدا من أهل الارض وضع علم هذه النجوم المعلقة في السماء. قلت: فلابد لك أن تقول: إنما علمه حكيم عليم بأمر السماء والارض ومدبرهما. قال: إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء. قلت: أما أنك فقد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق، وأن جميع الناس ولدوا بها. قال: الشك في غير هذا. قلت: وكذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الارض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم والشمس والقمر في المغرب حتى يعرف مجاريها ويطلع معها إلى المشرق. قال: الطلوع إلى السماء دون هذا. قلت: فلا أراك تجد بدا من أن تزعم أن المعلم لهذا من السماء. قال: لئن قلت أن ليس لهذا الحساب معلم لقد قلت إذا غير الحق، ولئن زعمت أن أحدا من أهل الارض علم ما في السماء وما تحت الارض لقد أبطلت لان أهل الارض لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم والبروج بالمعاينة والدنو منها (1) فلا يقدرون عليه لان علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس، وما يدرك علم هذه النجوم التي وصفت بالحواس لانها معلقة في السماء وما زادت الحواس على النظر إليها حيث تطلع وحيث تغيب، فأما حسابها ودقائقها ونحوسها وسعودها وبطيئها وسريعها وخنوسها ورجوعها فأنى تدرك بالحواس أو يهتدى إليها بالقياس ؟. قلت: فأخبرني لو كنت متعلما مستوصفا لهذا الحساب من أهل الارض أحب إليك أن تستوصفه وتتعلمه، أم من أهل السماء ؟ قال: من أهل السماء، إذ كانت النجوم معلقة فيها حيث لا يعلمها أهل الارض.


(1) وفي نسخة: فاما الدنو.

[ 176 ]

قلت: فافهم وأدق النظر وناصح نفسك ألست تعلم أنه حيث كان جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس والسعود أنهن كن قبل الناس ؟ قال: ما أمتنع أن أقول هذا. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك: إن الناس لم يزالوا ولا يزالون قد انكسر عليك (1) حيث كانت النجوم قبل الناس، فالناس حدث بعدها، و لئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بدا من أن تزعم أن الارض خلقت قبلهم. قال: ولم تزعم أن الارض خلقت قبلهم ؟ قلت: ألست تعلم أنها لو لم تكن الارض جعل الله لخلقه فراشا ومهادا ما استقام الناس ولا غيرهم من الانام، ولا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن يكون لهم أجنحة ؟ قال: وماذا يغني عنهم الاجنحة إذا لم تكن لهم معيشة ؟ قلت: ففي شك أنت من أن الناس حدث بعد الارض والبروج ؟ قال: لا ولكن على اليقين من ذلك. قلت: آتيك أيضا بما تبصره. قال: ذلك أنفى (2) للشك عني. قلت: ألست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هذا الفلك ؟ قال: بلى. قلت: أفليس قد كان أساسا لهذه النجوم ؟ قال: بلى. قلت: فما أرى هذه النجوم التي زعمت أنها مواليد الناس إلا وقد وضعت بعد هذا الفلك لانه به تدور البروج وتسفل مرة وتصعد اخرى. قال: قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل أن الفلك الذي تدور به النجوم هو أساسها الذي وضع لها لانها إنما جرت به. قلت: أقررت أن خالق النجوم التي يولد بها الناس سعودهم ونحوسهم هو خالق الارض لانه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء. قال: ما أجد بدا من إجابتك إلى ذلك. قلت: أفليس ينبغي لك أن يدلك عقلك على أنه لا يقدر على خلق السماء إلا الذي خلق الارض والذرء والشمس والقمر والنجوم، وأنه لولا السماء وما فيها لهلك ذرء الارض. شرح: أن يكون لبعض الناس أي هذا العلم. اعلم أن كلامه واحتجاجه عليه السلام


(1) وفي نسخة: قد أنكر عليك. (2) وفي نسخة: قال: ذلك أنقى للشك عنى.

[ 177 ]

مبني على أحد أمرين: الاول ما يحكم به الوجدان من أن العلم بدقائق حركات هذه الكواكب وخواص آثارها والمناسبة بينها وبين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتى إلا لخالقها الذي جعلها كذلك، أو من ينتهي علمه إليه، ومعلوم أن ما هو الحق من هذه العلوم إنما وصل إلى الخلق من الانبياء كما اعترفوا به، ولما لم يحيطوا بجميع ذلك وضاع عنهم بعض ما استفادوا من الانبياء عليهم السلام أيضا فلذا ترى الرياضيين يتحيرون في بعض الحركات التي لا تستقيم على اصولهم، ويسمونها ما لا ينحل، وترى المنجمين يخطؤون في كثير من أحكامهم لذلك. ثم ذكر عليه السلام على سبيل التنزل أنه لو سلمنا أنه يمكن أن يتيسر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتى ذلك إلا لمن كان معها في حركاتها و يعاشرها مدة طويلة ليعلم كيفية حركاتها وجرب بكثرة المعاشرة خواصها وآثارها. والثاني: أن يكون المراد أنك إذا اعترفت أن كل الخلق يولدون بهذه النجوم فلا يكون أحد منهم علة لها ولآثارها لتقدمها عليهم، ولا شك في أنه لابد من حكيم عالم بجميع الامور قادر عليها، أسس ذلك الاساس وبنى عليها تلك الآثار والاحكام التي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الامور، فقد أقررت بالصانع فهو أول عالم بهذا العلم لا الحكيم الذي تزعم أنه يولد بتلك النجوم. (1) ويحتمل أن يكون المقصود من الكلام الاشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمل. قوله عليه السلام: مواضعها من السماء أي عند كونها فوق الارض، ومواضعها تحت الارض أي بعد غروبها واستتارها عنا بالارض. قوله عليه السلام: إلا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه وقدرته وحكمه بالسماء وما فيها. قوله عليه السلام: فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أن الحكماء الذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء، أو أعتقد أنه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء بأنفسهم بدون تعلق إرادة الرب تعالى به، ومع ذلك فإن سلمناه فلا يكفي محض الصعود للاحاطة بذلك. قوله عليه السلام: مع كل برج أي فيه أو بالحركة السريعة. قوله عليه السلام: في ثلاثين سنة وهو زحل، وهو أبطأ السيارات، وإنما لم يتعرض عليه السلام للثوابت مع


(1) وبعبارة اخرى إنك بعد ما اعترفت بأن جميع الناس يولدون بهذه النجوم ولم يمكن أن يولد أحد من أهل الارض الا بهذه النجوم لانها علته، فقد اعترفت بأن واضع هذه النجوم غير أهل الدنيا لانهم معلولون لها، وهذا تسليم واذعان منك بالصانع تعالى.

[ 178 ]

كونها أبطأ لان مبنى أحكامهم على السيارات. قوله عليه السلام: لان مجاريها تحت الارض لما ذكر عليه السلام سابقا سيره مع الكواكب من الطلوع إلى الغروب أشار عليه السلام ههنا إلى أنه لا يكفي ذلك للعلم بجميع الحركات حتى يسير معها بعد الغروب فيحاذي ما تحت الارض من البحار والمواضع المظلمة بالبخارات، أو يسير مع سائر الكواكب عند كون الشمس فوق الارض حتى يحاذي ما تحتها الظلمة، ثم بين عليه السلام الحاجة إلى ذلك بأنه لا تكفي الاحاطة ببعض مسيرها للعلم بحركاتها لان حركاتها الخاصة عندهم مختلفة بالنسبة إلى مركز العالم بسبب التداوير والافلاك الخارجة المراكز وغيرها، فتارة تسرع وتارة تبطئ فلا تتأتى مقايسة بعض حركاتها ببعض. قوله عليه السلام: كيف يكون بعضها سعدا أي يرجع قولك إلى أنها مع صفاتها وجدت من غير صانع فكيف صار بعضها هكذا وبعضها هكذا، فترجح هذه الاحوال الممكنة و حصولها من غير علة مما يحكم العقل باستحالته، أو المراد أنها لو كانت خالقة لانفسها لكان كل منها يختار لنفسه أفضل الاحوال وأشرفها فكان جميعها على حالة واحدة هي أفضل الاحوال، وهذا أظهر. ثم لما لم يفهم السائل ذلك غير الكلام وصرفه إلى ما هو أوضح. وقوله عليه السلام: قد أقررت أنها لم تكن شيئا إما مبني على أن الصنع والخلق لا يتعلقان إلا بالحادث، أو على ما كان ظاهر كلام السائل أن لوجودها مبدءا، ثم إن السائل لما تفطن بفساد كون الشئ صانعا لنفسه رجع وأقر بأن العقل يحكم بديهة بأن المصنوع غير الصانع، والباني غير البناء، وما ذكره عليه السلام من أن خالق الحياة والموت لابد أن يكون واحدا مما يحكم به الوجدان مع أن الظاهر من خالق الحياة من يكون مستقلا فيه، والموت ليس إلا رفع الحياة، فلو كان مستندا إلى غيره لم يكن خالق الحياة مستقلا فيه. قوله عليه السلام: دون هذا أي أنا انكر الصعود إلى السماء الذي هو أسهل مما ذكرت فكيف اقر به، أو المراد أن الصعود إلى السماء أسهل علي من الاقرار بما ذكرت. قوله عليه السلام: إنهن كن قبل الناس أي بالعلية والسببية كما ظن السائل، أو بالزمان أي تقدمها على كل شخص، أو على الجميع بناءا على لزوم التقدم على كل


[ 179 ]

من الاشخاص التقدم على الجميع كما قيل، أو على أنه عليه السلام كان يعلم أن السائل كان قائلا بذلك فذكره عليه السلام إلزاما عليه كما اعترف به، وعلى الاول يكون المراد بقوله: لم يزالوا ولا يزالون عدم استنادهم إلى علة، وعلى الثاني فالمراد إما قدم مادتهم أو صورهم أيضا بناءا على القول بالكمون، وعلى الثالث فالمراد قدم نوعهم. قوله عليه السلام: بعد هذا الفلك أي هي محتاجة إلى الفلك، والفلك متقدمة عليها بالعلية فلا يصح كون النجوم علة لها للزوم الدور. قوله عليه السلام: لم يكن ذرء أي مذروء ومخلوق من الانس. ثم اعلم أن حاصل استدلاله على ما ظهر لهذا القاصر هو أنه عليه السلام – لما قرر السائل سالفا على أن النجوم ليست خالقة لانفسها، وآنفا على أنها ليست مخلوقة للناس وغيرها مما يحدث بزعمه بتأثيرها لتأخرها عنها، وعلى أن الارض أيضا متقدمة على ما عليها من الخلق فلا تكون مخلوقة لما عليها، وعلى أن الفلك لتقدمه على النجوم المتقدمة على الناس لا يجوز كونه مخلوقا لشئ منها – استدل عليه السلام ههنا على أنه لابد أن يكون خالق السماء والارض وما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما على الارض من الخلق واحدا. أما اتحاد خالق الارض والنجوم فيمكن تقريره بوجهين: الاول: أن الناس محتاجون إلى الارض كما عرفت، وظاهر أنها من أعظم مصالحهم فالوجدان الصحيح يحكم بأن من خلق شيئا يعد له ما يصلحه، ويهيئ له ما سيحتاج إليه فظهر أنه لابد أن يكون خالق الناس وخالق الارض واحدا، والناس بزعمك مخلوقون للنجوم ولزمك القول بوجود خالق للنجوم، فلابد من القول بكون الارض منسوبة إلى خالق النجوم إما بلا واسطة أو بواسطة النجوم أو غيرها فثبت المطلوب. الثاني: أنا نرى التلازم بين الناس والارض لحكم العقل بأن كلا منهما يرتفع عند ارتفاع الآخر إذ الظاهر أن غاية خلق الارض هو الانسان ونحوه وهم محتاجون في امورهم إليها، وقد تقرر أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر، أو كل منهما معلول علة ثالثة، ولا يجوز أن يكون الناس عللا للارض لما عرفت، ولا معلولة


[ 180 ]

لها لانتسابها عندك إلى النجوم فلابد من أن يكونا معلولي علة واحدة. وبأحد هذين التقريرين يثبت اتحاد خالق السماء وخالق هذه الامور السابقة لاحتياج ما على الارض من الخلق إلى السماء وما فيها من النجوم، وإليه أشار عليه السلام بقوله: وإنه لولا السماء و ما فيها لهلك ذرء الارض. هذا ما أحاط به نظري العاثر، وسيأتي في تضاعيف كلامه عليه السلام توضيح ما قلناه، والتصريح ببعض ما قررناه، والله يعلم وحججه عليهم السلام حقائق كلامهم ودقائق مرامهم، ثم لا يتوهم متوهم من كلامه عليه السلام أن للنجوم تأثيرا فإنه ظاهر أنه عليه السلام إنما ذكرها إلزاما عليه، ومماشاة معه لاتمام الحجة عليه (1) بل لا يمكن الاستدلال على سعودها ونحوسها وكونها علامات للكائنات أيضا بهذا الوجه لكن ظاهره أن لها سعادة ونحوسة وأنها علامات، وسيأتي القول في ذلك مفصلا في كتاب السماء والعالم. متن: قال: أشهد أن الخالق واحد من غير شك لانك قد أتيتني بحجة ظهرت لعقلي وانقطعت بها حجتي، وما أرى يستقيم أن يكون واضع هذا الحساب ومعلم هذه النجوم واحدا من أهل الارض لانها في السماء، ولا مع ذلك يعرف ما تحت الارض منها إلا معلم ما في السماء منها، ولكن لست أدرى كيف سقط أهل الارض على هذا العلم الذي هو في السماء حتى اتفق حسابهم على ما رأيت من الدقة والصواب فإني لو لم أعرف من هذا الحساب ما أعرفه لانكرته ولاخبرتك أنه باطل في بدء الامر فكان أهون علي. قلت: فأعطني موثقا إن أنا أعطيتك من قبل هذه الاهليلجة التي في يدك وما تدعي من الطب الذي هو صناعتك وصناعة آبائك حتى يتصل الاهليلجة وما يشبهها من الادوية بالسماء لتذعنن بالحق، ولتنصفن من نفسك. قال: ذلك لك. قلت: هل كان الناس على حال وهم لا يعرفون الطب ومنافعه من هذه الاهليلجة وأشباهها ؟ قال: نعم. قلت: فمن أين اهتدوا له ؟ قال: بالتجربة وطول المقايسة. قلت: فكيف خطر


(1) ما ذكره رحمه الله بمعنى التأثير بنحو الاستقلال حق، وأما أصل التأثير بمعنى وجود رابطة السببية والمسببية بين هذه الاشياء فهو مما بنى عليه كلامه عليه السلام من أوله إلى آخره كما هو ظاهر. ط

[ 181 ]

على أوهامهم حتى هموا بتجربته ؟ وكيف ظنوا أنه مصلحة للاجساد وهم لا يرون فيه إلا المضرة ؟ أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون مما لا تدلهم عليه الحواس ؟ قال: بالتجارب. قلت: أخبرني عن واضع هذا الطب وواصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق والمغرب، هل كان بد من أن يكون الذي وضع ذلك ودل على هذه العقاقير رجل حكيم من بعض أهل هذه البلدان ؟. قال: لابد أن يكون كذلك، وأن يكون رجلا حكيما وضع ذلك وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكروا فيه بعقولهم. قلت: كأنك تريد الانصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك ؟ وهبه قد عرف بما في بلاده من الدواء، والزعفران الذي بأرض فارس، أتراه اتبع جميع نبات الارض فذاقه شجرة شجرة حتى ظهر على جميع ذلك ؟ وهل يدلك عقلك على أن رجالا حكماء قدروا على أن يتبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتى عرفوا ذلك بحواسهم، وظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الادوية التي لم تدرك حواسهم شيئا منها ؟ وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبعه جميع شجر فارس ونباتها، كيف عرف أنه لا يكون دواء حتى يضم إليه الاهليلج من الهند، والمصطكي من الروم، والمسك من التبت، والدارصيني من الصين، وخصي بيدستر من الترك، والافيون من مصر، والصبر من اليمن، (1) والبورق من أرمينة، (2) وغير ذلك من أخلاط الادوية التي تكون في أطراف الارض ؟ وكيف عرف أن بعض تلك الادوية وهي عقاقير مختلفة يكون المنفعة باجتماعها ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع ؟ أم كيف اهتدى لمنابت هذه الادوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متبائنة في بلدان متفرقة ؟ فمنها عروق، ومنها لحاء (3) ومنها ورق، ومنها ثمر، ومنها عصير، ومنها مائع، ومنها صمغ، ومنها دهن، ومنها


(1) الصبروزان كتف: عصارة شجرمر. (2) البورق بالفتح معرب بوره: شئ يتكون مثل الملح في شطوط الانهار والمياه. (3) اللحاء: قشر العود أو الشجر. (*)

[ 182 ]

ما يعصر ويطبخ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ، مما سمي بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا يصير دواءا إلا باجتماعها، ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات، متغالبون بالمناصبة، (1) و متحاربون بالقتل والسبي أفترى ذلك الحكيم تتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه، وتتبع هذه العقاقير مشرقا ومغربا آمنا صحيحا لا يخاف ولا يمرض، سليما لا يعطب، حيا لا يموت، هاديا لا يضل، قاصدا لا يجوز (2) حافظا لا ينسى، نشيطا لا يمل، حتى عرف وقت أزمنتها، ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها، ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها ؟ أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة، وورقة ورقة، شيئا شيئا ؟ فهبه وقع على الشجرة التي أراد فكيف دلته حواسه على أنها تصلح لدواء، والشجر مختلف منه الحلو والحامض والمر والمالح. وإن قلت: يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال، فأنى يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه ؟ أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته والاشياء كثيرة ؟ فهبه فعل كيف عرف منافعها ومضارها، وتسكينها و تهييجها، وباردها وحارها، وحلوها ومرارتها وحرافتها، (3) ولينها وشديدها (4) ؟ فلئن قلت: بالظن إن ذلك مما لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواس، ولئن قلت: بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الادوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها وأكثرها السم القاتل. ولئن قلت: بل طاف في كل بلد، وأقام في كل امة يتعلم لغاتهم ويجرب بهم أدويتهم تقتل الاول فالاول منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير، فما كان أهل تلك البلدان


(1) في نسخة: متقلبون بالمناصبة. (2) في نسخة: قاصدا لا يجوز. (3) الحرافة: طعم يلذع اللسان بحرارته. (4) في نسخة: ولينها ويابسها.

[ 183 ]

الذين قتل منهم من قتل بتجربته بالذين ينقادونه بالقتل ولا يدعونه أن يجاورهم، و هبه تركوه وسلموا لامره ولم ينهوه كيف قوي على خلطها، وعرف قدرها ووزنها و أخذ مثاقيلها وقرط قراريطها ؟ وهبه تتبع هذا كله، وأكثره سم قاتل، إن زيد على قدرها قتل، وإن نقص عن قدرها بطل، وهبه تتبع هذا كله وجال مشارق الارض و مغاربها، وطال عمره فيها تتبعه شجرة شجرة وبقعة بقعة كيف كان له تتبع ما لم يدخل في ذلك من مرارة الطير والسباع ودواب البحر ؟ هل كان بد حيث زعمت أن ذلك الحكيم تتبع عقاقير الدنيا شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتى جمعها كلها فمنها مالا يصلح ولا يكون دواءا إلا بالمرار ؟ هل كان بد من أن يتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابها دابة دابة وطائرا طائرا يقتلها ويجرب مرارتها، كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب ؟ ولو كان ذلك فكيف بقيت الدواب وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت اخرى ؟ وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدواب التي كان ينبغي أن يتبعها بحرا بحرا ودابة دابة حتى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا التي بحث عنها حتى عرفها وطلب ذلك في غمرات الماء ؟ فإنك مهما جهلت شيئا من هذا فإنك لا تجهل أن دواب البحر كلها تحت الماء فهل يدل العقل والحواس على أن هذا يدرك بالبحث والتجارب ؟. قال: لقد ضيقت علي المذاهب، فما أدري ما اجيبك به ! قلت: فإني آتيك بغير ذلك مما هو أوضح وأبين مما اقتصصت عليك، ألست تعلم أن هذه العقاقير التي منها الادوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواءا إلا بعد الاجتماع ؟ قال. هو كذلك. قلت: فأخبرني كيف حواس هذا الحكيم وضعت هذه الادوية مثاقيلها وقراريطها ؟ فإنك من أعلم الناس بذلك لان صناعتك الطب، وأنت تدخل في الدواء الواحد من اللون الواحد زنة أربع مائة مثقال، ومن الآخر مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك ودونه حتى يجيئ بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه، وإن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه وألان (1) فكيف أدركت حواسه على هذا ؟


(1) استطلق البطن: مشى. وألان أي جعله لبنا

[ 184 ]

أم كيف عرفت حواسه أن الذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين، والانحدار أهون عليه من الصعود ؟ والذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس، وهو إلى الرأس عند السلوك أقرب منه ؟ وكذلك كل دواء يسقي صاحبه لكل عضو لا يأخذ إلا طريقه في العروق التي تسقى له، وكل ذلك يصير إلى المعدة ومنها يتفرق ؟ أم كيف لا يسفل منه ما صعد ولا يصعد منه ما انحدر ؟ أم كيف عرفت الحواس هذا حتى علم أن الذي ينبغي للاذن لا ينفع العين وما ينتفع به العين لا يغني من وجع الاذن، وكذلك جميع الاعضاء يصير كل داء منها إلى ذلك الدواء (1) الذي ينبغي له بعينه ؟ فكيف أدركت العقول والحكمة والحواس هذا وهو غائب في الجوف، والعروق في اللحم، وفوقه الجلد لا يدرك بسمع ولا ببصر ولا بشم ولا بلمس ولا بذوق ؟. قال: لقد جئت بما أعرفه (2) إلا أننا نقول: إن الحكيم الذي وضع هذه الادوية وأخلاصها كان إذا سقى أحدا شيئا من هذه الادوية فمات شق بطنه وتتبع عروقه ونظر مجاري تلك الادوية وأتى المواضع التي تلك الادوية فيها. قلت: فأخبرني ألست تعلم أن الدواء كله إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئا واحدا ؟ قال: بلى. قلت: أما تعلم أن الانسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد ؟ قال: بلى. قلت: فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظا عبيطا ليس بأمشاج يستدل عليه بلون فيه غير لون الدم ؟ قال: لقد حملتني على مطية صعبة ما حملت على مثلها قط، ولقد جئت بأشياء لا أقدر على ردها. شرح: قوله عليه السلام: خلط بعض هذه الادوية الخلط بالكسر: ما يخلط بالشئ أي ما يدخل في بعض هذه الادوية المركبة. قوله عليه السلام: ثم وضع مثالها على شبهها أي ضم كلما وجد من كل نوع إلى مثله لانه يشبهه ويوافقه في الصفة أو ترك الاشياء التي تشبه ما يريده، وإن كانت موافقة له في الصفات فإن كثيرا من العقاقير تشتبه بغيرها لاتفاقهما في كثير من الصفات. قوله عليه السلام: فكيف بقيت لعل المفروض أن ذلك كان


(1) في نسخة: يصير كل دواء منها إلى ذلك الداء. (2) في نسخة: لقد جئت بما أعرف.

[ 185 ]

في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلتها في تلك الازمنة. قوله عليه السلام: ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة. أقول: كلامه عليه السلام يدل على أن خواص الادوية وأجناسها ومنافعها ومناسبتها للامراض إنما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولم يصل الخلق إليها بعقولهم وتجاربهم. متن: قلت: فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الادوية التي فيها المنافع لهم حتى خلطوها وتتبعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة، وعرفوا مواضعها ومعادنها في الاماكن المتبائنة، وما يصلح من عروقها وزنتها من مثاقيلها وقراريطها، وما يدخلها من الحجارة ومرار السباع وغير ذلك ؟ قال: قد أعييت عن إجابتك (1) لغموض مسائلك وإلجائك إياي إلى أمر لا يدرك علمه بالحواس، ولا بالتشبيه والقياس، ولابد أن يكون وضع هذه الادوية واضع، لانها لم تضع هي أنفسها، ولا اجتمعت حتى جمعها غيرها بعد معرفته إياها، فأخبرني كيف علم العباد هذه الادوية التي فيها المنافع حتى خلطوها وطلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة ؟. قلت: إني ضارب لك مثلا وناصب لك دليلا تعرف به واضع هذه الادوية والدال على هذه العقاقير المختلفة وباني الجسد وواضع العروق التي ياخذ فيها الدواء إلى الداء. قال: فإن قلت ذلك لم أجد بدا من الانقياد إلى ذلك. قلت: فأخبرني عن رجل أنشأ حديقة عظيمة، وبنى عليها حائطا وثيقا، ثم غرس فيها الاشجار والاثمار والرياحين والبقول، وتعاهد سقيها وتربيتها، ووقاها ما يضرها، حتى لا يخفى عليه موضع كل صنف منها فإذا أدركت أشجارها وأينعت أثمارها (2) واهتزت بقولها دفعت إليه (3) فسألته أن يطعمك لونا من الثمار والبقول سميته له أتراه كان قادرا على


(1) أي قد اعجزت عن إجابتك. (2) اينع الثمر: أدرك وطاب وحان قطافه. وفي بعض النسخ: ايفع أثمارها. فهو من أيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ. (3) في نسخة: ذهبت إليه.

[ 186 ]

أن ينطلق قاصدا مستمرا لا يرجع، ولا يهوي إلي شئ يمر به من الشجرة والبقول حتى يأتي الشجرة التي سألته أن يأتيك بثمرها، والبقلة التي طلبتها حيث كانت من أدنى الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها ؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث سألته الثمرة: ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإني لا أقدر على ذلك، هل كنت تقدر أن تنطلق قاصدا لا تأخد يمينا ولا شمالا حتى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها ؟ قال: و كيف أقدر على ذلك ولا علم لي في أي مواضع الحديقة هي ؟ قلت: أفليس تعلم أنك لم تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسف وجولان في جميع الحديقة حتى تستدل عليها ببعض حواسك بعد ما تتصفح فيها من الشجرة شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتى تسقط على الشجرة التي تطلب ببعض حواسك إن تأتيها، وإن لم ترها انصرفت ؟. قال: وكيف أقدر على ذلك ولم اعاين مغرسها حيث غرست، ولا منبتها حيث نبتت، ولا ثمرتها حيث طلعت. قلت: فإنه ينبغي لك أن يدلك عقلك حيث عجزت حواسك عن إدراك ذلك إن الذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق والمغرب وغرس فيه هذه الاشجار والبقول هو الذي دل الحكيم الذي زعمت أنه وضع الطب على تلك العقاقير ومواضعها في المشرق والمغرب، وكذلك ينبغي لك أن تستدل بعقلك على أنه هو الذي سماها وسمى بلدتها وعرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الذي سألته الثمرة، وكذلك لا يستقيم ولا ينبغي أن يكون الغارس والدال عليها إلا الدال على منافعها ومضارها وقراريطها ومثاقيلها. قال: إن هذا لكما تقول. قلت: أفرأيت لو كان خالق الجسد وما فيه من العصب واللحم والامعاء والعروق التي يأخذ فيها الادوية إلى الرأس وإلى القدمين وإلى ما سوى ذلك غير خالق الحديقة وغارس العقاقير، هل كان يعرف زنتها ومثاقيلها وقراريطها وما يصلح لكل داء منها، وما كان يأخذ في كل عرق ؟. قال: وكيف يعرف ذلك أو يقدر عليه وهذا لا يدرك بالحواس، ما ينبغي أن يعرف هذا إلا الذي غرس الحديقة وعرف كل شجرة وبقلة وما فيها من المنافع والمضار قلت: أفليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحدا ؟ لانه لو كان إثنين أحدهما خالق


[ 187 ]

الدواء والآخر خالق الجسد والداء لم يهتد غارس العقاقير لايصال دوائه إلى الداء الذي بالجسد مما لا علم له به، ولا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك العقاقير، فلما كان خالق الداء والدواء واحدا أمضى الدواء في العروق التي برأ وصور إلى الداء الذي عرف ووضع فعلم مزاجها من حرها وبردها ولينها وشديدها وما يدخل في كل دواء منه من القراريط والمثاقيل، وما يصعد إلى الرأس وما يهبط إلى القدمين منها وما يتفرق منه فيما سوى ذلك. قال: لا أشك في هذا لانه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحد منهما إلى ما وصفت. قلت: فإن الذي دل الحكيم الذي وصفت أنه أول من خلط هذه الادوية ودل عى عقاقيرها المتفرقة فيما بين المشرق والمغرب، ووضع هذا الطب على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق والمغرب، وهو باني الجسد، وهو دل الحكيم بوحي منه على صفة كل شجرة وبلدها، وما يصلح منها من العروق والثمار والدهن والورق والخشب واللحاء، وكذلك دله على أوزانها من مثاقيلها و قراريطها وما يصلح لكل داء منها، وكذلك هو خالق السباع والطير والدواب التي في مرارها المنافع مما يدخل في تلك الادوية فإنه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به من مرارها وما يضر وما يدخل منها في العقاقير، فلما كان الخالق سبحانه وتعالى واحدا دل على ما فيه من المنافع منها فسماه باسمه حتى عرف وترك مالا منفعة فيه منها، فمن ثم علم الحكيم أي السباع والدواب والطير فيه المنافع، وأيها لا منفعة فيه، ولولا أن خالق هذه الاشياء دله عليها ما اهتدى بها. قال: إن هذا لكما تقول وقد بطلت الحواس والتجارب عند هذه الصفات. قلت أما إذا صحت نفسك فتعال ننظر بعقولنا ونستدل بحواسنا، هل كان يستقيم لخالق هذه الحديقة وغارس هذه الاشجار وخالق هذه الدواب والطير والناس الذي خلق هذه الاشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق ويغرس هذا الغرس في أرض غيره مما إذا شاء منعه ذلك ؟. قال: ما ينبغي أن تكون الارض التي خلقت فيها الحديقة العظيمة وغرست فيه


[ 188 ]

الاشجار إلا لخالق هذا الخلق وملك يده. قلت: فقد أرى الارض أيضا لصاحب الحديقة لاتصال هذه الاشياء بعضها ببعض. قال: ما في هذا شك. قلت: فأخبرني وناصح نفسك ألست تعلم أن هذه الحديقة وما فيها من الخلقة العظيمة من الانس والدواب والطير و الشجر والعقاقير والثمار وغيرها لا يصلحها إلا شربها وريها من الماء الذي لا حياة لشئ إلا به ؟ قال: بلى. قلت: أفترى الحديقة وما فيها من الذرء خالقها واحد. وخالق الماء غيره يحبسه عن هذه الحديقة إذا شاء ويرسله إذا شاء فيفسد على خالق الحديقة ؟. قال: ما ينبغي أن يكون خالق هذه الحديقة وذارء هذا الذرء الكثير وغارس هذه الاشجار إلا المدبر الاول وما ينبغي أن يكون ذلك الماء لغيره، وإن اليقين عندي لهو أن الذي يجري هذه المياه من أرضه وجباله لغارس هذه الحديقة وما فيها من الخليقة لانه لو كان الماء لغير صاحب الحديقة لهلك الحديقة وما فيها، ولكنه خالق الماء قبل الغرس والذرء وبه استقامت الاشياء وصلحت. قلت: أفرأيت لو لم يكن لهذه المياه المنفجرة في الحديقة مغيض (1) لما يفضل من شربها يحبسه عن الحديقة أن يفيض عليها أليس كان يهلك ما فيها من الخلق على حسب ما كانوا يهلكون لو لم يكن لها ماء ؟ قال: بلى ولكني لا أدري لعل هذا البحر ليس له حابس وأنه شئ لم يزل. قلت: أما أنت فقد أعطيتني أنه لولا البحر ومغيض المياه إليه لهلكت الحديقة. قال: أجل. قلت: فإني اخبرك عن ذلك بما تستيقن بأن خالق البحر هو خالق الحديقة ما فيها من الخليقة، وأنه جعله مغيضا لمياه الحديقة مع ما جعل فيه من المنافع للناس. قال: فاجعلني من ذلك على يقين كما جعلتني من غيره. قلت: ألست تعلم أن فضول ماء الدنيا يصير في البحر ؟ قال: بلى. قلت: فهل رأيته زائدا قط في كثرة الماء وتتابع الامطار على الحد الذي لم يزل عليه ؟ أو هل رأيته ناقصا في قلة المياه وشدة الحر وشدة القحط ؟ قال: لا. قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أن خالقه وخالق الحديقة وما فيها من الخليقة واحد، وأنه هو الذي وضع له حدا لا يجاوزه لكثرة الماء ولا لقلته، وأن مما يستدل على ما أقول أنه يقبل بالامواج أمثال الجبال يشرف على


(1) المغيض: مجتمع الماء ومدخله في الارض وفي نسخة: المفيض بالفاء وكذا فيما يأتي بعده. (*)

[ 189 ]

السهل والجبل فلو لم تقبض أمواجه ولم تحبس في المواضع التي امرت بالاحتباس فيها لا طبقت على الدنيا حتى إذا انتهت على تلك المواضع التي لم تزل تنتهي إليها ذلت أمواجه وخضع أشرافه. قال: إن ذلك لكما وصفت ولقد عاينت منه كل الذي ذكرت، ولقد أتيتني ببرهان ودلالات ما أقدر على إنكارها ولا جحودها لبيانها. قلت: وغير ذلك سأتيك به مما تعرف اتصال الخلق بعضه ببعض، وأن ذلك من مدبر حكيم عالم قدير، ألست تعلم أن عامة الحديقة ليس شربها من الانهار والعيون وأن أعظم ما ينبت فيها من العقاقير والبقول التي في الحديقة ومعاش ما فيها من الدواب والوحش والطير من البراري التي لا عيون لها ولا أنهار إنما يسقيه السحاب ؟ قال: بلى. قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك وما أدركت بالحواس التي زعمت أن الاشياء لا تعرف إلا بها أنه لو كان السحاب الذي يحتمل من المياه إلى البلدان والمواضع التي لا تنالها ماء العيون والانهار وفيها العقاقير والبقول والشجر والانام لغير صاحب الحديقة لامسكه عن الحديقة إذا شاء. ولكان خالق الحديقة من بقاء خليقته التي ذرأ وبرأ على غرور ووجل، خائفا على خليقته أن يحبس صاحب المطر الماء الذي لا حياة للخليقة إلا به ؟. قال: إن الذي جئت به لواضح متصل بعضه ببعض، وما ينبغي أن يكون الذي خلق هذه الحديقة وهذه الارض، وجعل فيها الخليقة وخلق لها هذا المغيض، وأنبت فيها هذه الثمار المختلفة إلا خالق السماء والسحاب، يرسل منها ما شاء من الماء إذا شاء أن يسقي الحديقة ويحيي ما في الحديقة من الخليقة والاشجار والدواب والبقول وغير ذلك، إلا أني احب أن تأتيني بحجة أزداد بها يقينا وأخرج بها من الشك. قلت: فإني آتيك بها إن شاء الله من قبل أهليلجتك واتصالها بالحديقة، وما فيها من الاشياء المتصلة بأسباب السماء لتعلم أن ذلك بتدبير عليم حكيم. قال: وكيف تأتيني بما يذهب عني الشك من قبل الاهليلجة ؟ قلت: فيما اريك فيها من إتقان الصنع، وأثر التركيب المؤلف، واتصال ما بين عروقها إلى فروعها، واحتياج بعض ذلك إلى بعض حتى يتصل بالسماء. قال: إن أريتني ذلك لم أشك. قلت: ألست


[ 190 ]

تعلم أن الاهليلجة نابتة في الارض وأن عروقها مؤلفة إلى أصل، وأن الاصل متعلق بساق متصل بالغصون، والغصون متصلة بالفروع، والفروع منظومة بالاكمام والورق، وملبس ذلك كله الورق، ويتصل جميعه بظل يقيه حر الزمان وبرده ؟. قال: أما الاهليلجة فقد تبين لي اتصال لحائها وما بين عروقها وبين ورقها ومنبتها من الارض، فأشهد أن خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره لاتقان الصنع واتصال الخلق وايتلاف التدبير وإحكام التقدير. قلت: إن أريتك التدبير مؤتلفا بالحكمة والاتقان معتدلا بالصنعة، محتاجا بعضه إلى بعض، متصلا بالارض التي خرجت منه الاهليلجة في الحالات كلها أتقر بخالق ذلك ؟ قال: إذن لا أشك في الوحدانية. قلت: فافهم وافقه ما أصف لك: ألست تعلم أن الارض متصلة بإهليلجتك وإهليلجتك متصلة بالتراب، والتراب متصل بالحر والبرد، والحر والبرد متصلان بالهواء والهواء متصل بالريح، والريح متصلة بالسحاب، والسحاب متصل بالمطر، والمطر متصل بالازمة، والازمنة متصلة بالشمس والقمر، والشمس والقمر متصلتان بدوران الفلك، والفلك متصل بما بين السماء والارض صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليف متقن، وتدبير محكم، متصل كل هذا ما بين السماء والارض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، ولا يتأخر واحد منهما عن وقته، ولو تأخر عن وقته لهلك جميع من في الارض من الانام والنباتات ؟ قال: إن هذه لهي العلامات البينات، والدلالات الواضحات التي يجري معها أثر التدبير، بإتقان الخلق والتأليف مع إتقان الصنع، لكني لست أدري لعل ما تركت غير متصل بما ذكرت. قلت: وما تركت ؟ قال: الناس. قلت: ألست تعلم أن هذا كله متصل بالناس، سخره لها المدبر الذي أعلمتك أنه إن تأخر شئ مما عددت عليك هلكت الخليقة، وباد جميع ما في الحديقة، وذهبت الاهليلجة التي تزعم أن فيها منافع الناس ؟. قال: فهل تقدر أن تفسر لي هذا الباب على ما لخصت لي غيره ؟ قلت: نعم ابين لك ذلك من قبل إهليلجتك، حتى تشهد أن ذلك كله مسخر لبني آدم. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: خلق الله السماء سقفا مرفوعا، ولولا ذلك اغتم خلقه لقربها، وأحرقتهم


[ 191 ]

الشمس لدنوها، وخلق لهم شهبا ونجوما يهتدى بها في ظلمات البر والبحر لمنافع الناس، ونجوما يعرف بها أصل الحساب، فيها الدلالات على إبطال الحواس، ووجود معلمها الذي علمها عباده، مما لا يدرك علمها بالعقول فضلا عن الحواس، ولا يقع عليها الاوهام ولا يبلغها العقول إلا به لانه العزيز الجبار الذي دبرها وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، يسبحان (1) في فلك يدور بهما دائبين، (2) يطلعهما تارة ويؤفلهما اخرى، فبنى عليه الايام والشهور والسنين التي هي من سبب الشتاء والصيف والربيع والخريف، أزمنة مختلفة الاعمال، أصلها اختلاف الليل والنهار اللذين لو كان واحد منهما سرمدا على العباد لما قامت لهم معايش أبدا، فجعل مدبر هذه الاشياء وخالقها النهار مبصرا والليل سكنا، وأهبط فيهما الحر والبرد متبائنين لو دام واحد منهما بغير صاحبه ما نبتت شجرة ولا طلعت ثمرة، ولهلكت الخليقة لان ذلك متصل بالريح المصرفة في الجهات الاربع، باردة تبرد أنفاسهم، وحارة تلقح أجسادهم وتدفع الاذى عن أبدانهم ومعايشهم، ورطوبة ترطب طبائعهم، ويبوسة تنشف رطوباتهم وبها يأتلف المفترق وبها يتفرق الغمام المطبق حتى ينبسط في السماء كيف يشاء مدبره فيجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله بقدر معلوم لمعاش مفهوم، وأرزاق مقسومة وآجال مكتوبة، ولو احتبس عن أزمنته ووقته هلكت الخليقة ويبست الحديقة، فأنزل الله المطر في أيامه ووقته إلى الارض التي خلقها لبني آدم، وجعلها فرشا ومهادا، وحبسها أن تزول بهم، وجعل الجبال لها أوتادا، وجعل فيها ينابيع تجري في الارض بما تنبت فيها لا تقوم الحديقة والخليقة إلا بها، ولا يصلحون إلا عليها مع البحار التي يركبونها، ويستخرجون منها حلية يلبسونها ولحما طريا وغيره يأكلونه، فعلم أن إله البر والبحر والسماء والارض وما بينهما واحد حي قيوم مدبر حكيم، وأنه لو كان غيره لاختلفت الاشياء. وكذلك السماء نظير الارض التي أخرج الله منها حبا وعنبا وقضبا، وزيتونا


(1) سبح في الماء وبالماء: عام وانبسط فيه. ويستعار لمر النجوم وجرى الفرس وما شاكل. (2) أي مستمرين.

[ 192 ]

ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، بتدبير مؤلف مبين، بتصوير الزهرة والثمرة حياة لبني آدم، ومعاشا يقوم به أجسادهم، وتعيش بها أنعامهم التي جعل الله في أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، والانتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشا لهم لا يحيون إلا به، وصلاحا لا يقومون إلا عليه، وكذلك ما جهلت من الاشياء فلا تجهل أن جميع ما في الارض شيئان: شئ يولد، وشئ ينبت، أحدهما آكل، والآخر مأكول، ومما يدلك عقلك أنه خالقهم ما ترى من خلق الانسان وتهيئة جسده لشهوة الطعام، والمعدة لتطحن المأكول، ومجاري العروق لصفوة الطعام، وهيأ لها الامعاء، ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الاجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه. قال: لقد وصفت صفة أعلم أنها من مدبر حكيم لطيف قدير عليم، قد آمنت وصدقت أن الخالق واحد سبحانه وبحمده، غير أني أشك في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الذي خلقها لانها ضارة غير نافعة، قلت: أليس قد صار عندك أنها من غير خلق الله ؟ قال: نعم لان الخلق عبيده ولم يكن ليخلق ما يضرهم. قلت: سابصرك من هذا شيئا تعرفه ولا انبئك إلا من قبل إهليلجتك هذه وعلمك بالطب، قال: هات. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه مضرة للخلق ؟ قال: نعم. قلت: ما هو ؟ قال: هذه الاطعمة. قلت: أليس هذا الطعام الذي وصفت يغير ألوانهم، ويهيج أوجاعهم حتى يكون منها الجذام والبرص والسلال (1) والماء الاصفر، وغير ذلك من الاوجاع ؟ قال: هو كذلك ؟ قلت: أما هذا الباب فقد انكسر عليه. قال: أجل. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه منفعة ؟ قال: نعم. قلت: أليس يدخل في الادوية التي يدفع بها الاوجاع من الجذام والبرص والسلال وغير ذلك، ويدفع الداء ويذهب السقم مما أنت أعلم به لطول معالجتك قال: إنه كذلك. قلت: فأخبرني أي الادوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة ؟ أليس الترياق ؟


(1) السل بالكسر في اللغة الهزال، وفي الطب القديم قرحة في الرية، وانما سمى المرض به لان من لوازمه هزال البدن، ولان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة.

[ 193 ]

قال: نعم هو رأسها وأول ما يفرغ إليه عند نهش الحيات (1) ولسع الهوام وشرب السمائم. قلت: أليس تعلم أنه لابد للادوية المرتفعة والادوية المحرقة في أخلاط الترياق إلا أن تطبخ بالافاعي القاتلة ؟ قال: نعم هو كذلك ولا يكون الترياق المنتفع به الدافع للسمائم القاتلة إلا بذلك، ولقد انكسر علي هذا الباب، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه خالق السمائم القاتلة والهوام العادية، وجميع النبت والاشجار، وغارسها ومنبتها، وبارئ الاجساد، وسائق الرياح، ومسخر السحاب، وأنه خالق الادواء التي تهيج بالانسان كالسمائم القاتلة التي تجري في أعضائه وعظامه، ومستقر الاداء وما يصلحها من الدواء، العارف بالروح ومجرى الدم و أقسامه في العروق واتصاله بالعصب والاعضاء والعصب والجسد، وأنه عارف بما يصلحه من الحر والبرد، عالم بكل عضو بما فيه، وأنه هو الذي وضع هذه النجوم وحسابها والعالم بها، والدال على نحوسها وسعودها وما يكون من المواليد، وأن التدبير واحد لم يختلف متصل فيما بين السماء والارض وما فيها، فبين لي كيف قلت، هو الاول والآخر وهو اللطيف الخبير وأشباه ذلك ؟ قلت: هو الاول بلا كيف، وهو الآخر بلا نهاية، ليس له مثل، خلق الخلق والاشياء لا من شئ ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كيف، كما أنه لا كيف له، وإنما الكيف بكيفية المخلوق لانه الاول لا بدء له ولا شبه ولا مثل ولا ضد ولا ند، لا يدرك ببصر ولا يحس بلمس، ولا يعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى. قال: فصف لي قوته. قلت: إنما سمي ربنا جل جلاله قويا للخلق العظيم القوي الذي خلق مثل الارض وما عليها من جبالها وبحارها ورمالها وأشجارها وما عليها من الخلق المتحرك من الانس ومن الحيوان، وتصريف الرياح والسحاب المسخر المثقل بالماء الكثير، والشمس والقمر وعظمهما وعظم نورهما الذي لا تدركه الابصار بلوغا ولا منتها، والنجوم الحارية، ودوران الفلك، وغلظ السماء، وعظم الخلق العظيم


(1) نهش الحية: تناوله بفمه ليعضه فيؤثر فيه ولا يجرحه.

[ 194 ]

والسماء المسقفة فوقنا راكدة في الهواء، وما دونها من الارض المبسوطة، وما عليها من الخلق الثقيل، وهي راكدة لا تتحرك، غير أنه ربما حرك فيها ناحية، والناحية الاخرى ثابتة، وربما خسف منها ناحية والناحية الاخرى قائمة، يرينا قدرته ويدلنا بفعله على معرفته، فلهذا سمي قويا لا لقوة البطش المعروفة من الخلق، ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه، وكان محتملا للزيادة، وما احتمل الزيادة كان ناقصا وما كان ناقصا لم يكن تاما، وما لم يكن تاما كان عاجزا ضعيفا، والله عزوجل لا يشبه بشئ، وإنما قلنا: إنه قوي للخلق القوي، وكذلك قولنا، العظيم والكبير، ولا يشبه بهذه الاسماء الله تبارك وتعالى. قال: أفرايت قوله: سميع بصير عالم ؟ قلت: إنما يسمى تبارك وتعالى بهذه الاسماء لانه لا يخفى عليه شئ مما لا تدركه الابصار من شخص صغير أو كبير، أو دقيق أو جليل، ولا نصفه بصيرا بلحظ عين كالمخلوق، وإنما سمي سميعا لانه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، يسمع النجوى، ودبيب النمل على الصفا، (1) وخفقان الطير في الهواء (2) لا تخفى عليه خافية ولا شئ مما أدركته الاسماع والابصار وما لا تدركه الاسماع والابصار، ماجل من ذلك وما دق، وما صغر وما كبر، ولم نقل سميعا بصيرا كالسمع المعقول من الخلق، وكذلك إنما سمي عليما لانه لا يجهل شيئا من الاشياء، لا تخفى عليه خافية في الارض ولا في السماء، علم ما يكون وما لا يكون، وما لو كان كيف يكون، ولم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها، فهذا ما أراد من قوله: عليم، فعز من جل عن الصفات، ومن نزه نفسه عن أفعال خلقه فهذا هو المعنى، ولولا ذلك ما فصل بينه وبين خلقه فسبحانه وتقدست أسماؤه قال: إن هذا لكما تقول ولقد علمت أنما غرضي أن أسأل عن رد الجواب فيه عند مصرف يسنح عني، فأخبرني لعلي احكمه فيكون الحجة قد انشرحت للمتعنت المخالف، أو السائل المرتاب، أو الطالب المرتاد، مع ما فيه لاهل الموافقة من الازدياد. فأخبرني عن قوله: لطيف، وقد عرفت أنه للفعل، ولكن قد رجوت أن تشرح لي ذلك بوصفك. قلت: إنما


(1) الصفا: الحجر الصلد الضخم. (2) خفق الطير: ضرب بجناحيه.

[ 195 ]

سميناه لطيفا للخلق اللطيف، ولعلمه بالشئ اللطيف مما خلق من البعوض والذرة، (1) ومما هو أصغر منهما لا يكاد تدركه الابصار والعقول، لصغر خلقه من عينه وسمعه و صورته، لا يعرف من ذلك لصغره الذكر من الانثى، ولا الحديث المولود من القديم الوالد، (2) فلما رأينا لطف ذلك في صغره وموضع العقل فيه والشهوة للفساد (3) والهرب من الموت، والحدب على نسله من ولده، ومعرفة بعضها بعضا، وما كان منها في لجج البحار، وأعنان السماء، والمفاوز والقفار، وما هو معنا في منزلنا، ويفهم بعضهم بعضا من منطقهم، وما يفهم من أولادها، ونقلها الطعام إليها والماء، علمنا أن خالقها لطيف وأنه لطيف بخلق اللطيف، (4) كما سميناه قويا بخلق القوي. قال: إن الذي جئت به لواضح، فكيف جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الله تعالى ؟ قلت: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه أباح للناس الاسماء ووهبها لهم، وقد قال القائل من الناس للواحد: واحد، ويقول لله: واحد، ويقول: قوي والله تعالى قوي، ويقول: صانع والله صانع، ويقول: رازق والله رازق، ويقول: سميع بصير والله سميع بصير، وما أشبه ذلك، فمن قال للانسان: واحد فهذا له اسم وله شبيه، والله واحد وهو له اسم ولا شئ له شبيه وليس المعنى واحدا، وأما الاسماء فهي دلالتنا على المسمى لانا قد نرى الانسان واحدا وإنما نخبر واحدا إذا كان مفردا فعلم أن الانسان في نفسه ليس بواحد في المعنى لان أعضاءه مختلفة وأجزاءه ليست سواءا، ولحمه غير دمه، وعظمه غير عصبه، وشعره غير ظفره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر الخلق والانسان واحد في


(1) الذر: صغار النمل. (2) هذا تنبيه منه عليه السلام على وجود الحيوانات الحية والميكروبات المخفية عن الانظار و العقول، قبل وجود المكبرات واختراع الميكروسكوب والمنظار بقرون، وغير خفى أن العلم بذلك في أحد عشر قرنا قبل زماننا لم يك يحصل إلا لذوى النفوس الكاملة والانظار الثاقبة، الذين خصهم الله من بريته بفضله، وأيدهم بحكمته، وانتجبهم لولايته من بين خلقه، وعلمهم مالا يعلم غيرهم من عبيده. (3) وفي نسخة: والشهوة للبقاء. (4) وفي نسخة: لطيف يخلق اللطيف.

[ 196 ]

الاسم، وليس بواحد في الاسم والمعنى والخلق، فإذا قيل لله فهو الواحد الذي لا واحد غيره لانه لا اختلاف فيه، وهو تبارك وتعالى سميع وبصير وقوي وعزيز وحكيم وعليم فتعالى الله أحسن الخالقين. قال: فأخبرني عن قوله: رؤوف رحيم، وعن رضاه ومحبته وغضبه وسخطه. قلت: إن الرحمة وما يحدث لنا منها شفقة ومنها جود، وإن رحمة الله ثوابه لخلقه، والرحمة من العباد شيئان: أحدهما يحدث في القلب الرأفة والرقة لما يرى بالمرحوم من الضر والحاجة وضروب البلاء، والآخر ما يحدث منا من بعد الرأفة واللطف على المرحوم والرحمة منا ما نزل به، وقد يقول القائل: انظر إلى رحمة فلان وإنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان، وإنما يضاف إلى الله عزوجل من فعل ما حدث عنا من هذه الاشياء، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه فهو رحيم لا رحمة رقة، وأما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبائعنا وترتعد أحيانا مفاصلنا و حالت ألواننا، ثم نجيئ من بعد ذلك بالعقوبات فسمي غضبا، فهذا كلام الناس المعروف، والغضب شيئان: أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة عزوجل لا شبيه له ولا مثل لي شئ من الاشياء. قال: فأخبرني عن إرادته. قلت: إن الارادة من العباد الضمير وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عزوجل فالارادة للفعل إحداثه إنما يقول له: كن فيكون بلا تعب ولا كيف. قال: قد بلغت حسبك فهذه كافية لمن عقل، والحمد لله رب العالمين، الذي هدانا من الضلال، وعصمنا من أن نشبهه بشئ من خلقه، وأن نشك في عظمته وقدرته ولطيف صنعه وجبروته، جل عن الاشباه والاضداد، وتكبر عن الشركاء والانداد شرح: قوله عليه السلام: دفعت إليه على بناء المجهول أي دفعتك الحاجة والضرورة إليه، وفي الاساس: دفع فلان إلى فلان: انتهى إليه. قوله عليه السلام: مغيض هو بفتح الميم و كسر الغين المعجمة: موضع يجري إليه الماء ويغيب أو يجتمع فيه، وفي الثاني مصدر ميمي

 

Medina Minds Team

Medina Minds Team

A group of contributors who are working to publicize the reality of Islam and Muslims.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *